الفطر الأسود MUCORMYCOSIS

الفطر الأسود

ما هو الفطر الأسود؟

الفطر الأسود مرض مُميت يحدث بسبب عدوى فطرية من مجموعة فطريات العفنيات (Mucormycosis)، ويصيب أصحاب المناعة المنخفضة.

ويُسمى أيضا بالفطر العفني أو فطر الغشاء المخاطي وكان يُطلق عليه قديما (zygomycosis).

والفطر الأسود غير مُعدي ولا يُمكنه الانتقال من إنسان لإنسان.

يصل عدد الحالات سنويا في الولايات المتحدة إلى 500 حالة، وتصل احتمالية الوفاة إلى 97% بدون علاج، وتقل بالعلاج حتى 30%.

كيف يغزو الفطر الأسود أجسادنا؟

يغزو الفطر الأسود أجسادنا عن طريق اختراق الجلد، أوعن طريق مجرى الهواء (التنفس): أي باستنشاق الأبواغ (inhalation of Spores)، والاستنشاق أكثر صور الغزو انتشارا.

ثم ينتقل إلى جدران الأوعية الدموية ويتسبب في حدوث جلطات صغيرة داخل هذه الأوعية مما يمنع وصول الدم لتغذية الأنسجة المحيطة فتموت الأنسجة (thrombosis and subsequent tissue necrosis)، هذا في حال كان الشخص من أصحاب المناعة المنخفضة.

أما في حال كان الشخص من أصحاب المناعة السليمة فإن خلايا المناعة تبدأ في هجومها على الفور مما يتسبب في قتل الأبواغ (Spores) والعمل على وقف توغلها داخل المصاب والحد من انتشارها.

يظهر لنا أن الفطريات موجودة حولنا في كل مكان (التراب والهواء) بما فيها الفطر الأسود لكنها لا تؤثر إلا في ذوي المناعة الضعيفة.

أسباب نقص المناعة

وهي الأسباب التي تزيد من احتمالية الإصابة بالفطر الأسود:

  • مرض السكري غير المنضبط وخصوصا أثناء التعرض للغيبوبة الكيتونية (Diabetic ketoacidosis)
  • السرطانات المختلفة ولا سيما سرطانات الدم
  • مثبطات جهاز المناعة مثل الستيرويدات – الكورتيزون – (CORTISONE) سواء اسُتعملت عن طريق الفم أو عن طريق الحقن
  • سُوء التغذية الشديد يزيد من احتمال إصابة الجهاز الهضمي بالفطر الأسود
  • زيادة نسبة الحديد في الجسم سواء كانت الزيادة بسبب مرض ما، أوكانت الزيادة بسبب كثرة نقل الدم كما هو الحال في علاج بعض أمراض الدم
  • استخدام أدوات جراحية غير معقمة في معالجة الجروح يزيد من احتمالية انتقال الفطر الأسود عبر الجلد
  • الإصابة  بالحروق
  • نقل الأعضاء
  • تَلَيُف الكبد
  • الرضع الغير مكتملي النمو
  • وفي بعض الأحيان القليلة لا يُعرف سبب ظاهر لنقص المناعة

أنواع الفطر الأسود

الأنواع مصنفة تبعا للأماكن التي يصيبها ويستقر بها:

للفطر الأسود خمسة أنواع موصوفة ويتحدد النوع بناءا على أي منطقة في الجسد قد اُصيبت:

  • فطر منطقة الجيوب الأنفية مع محجر العين والدماغ (Rhino – Orbito – Cerebral)، وهي أكثر الأماكن من حيث احتمالية الإصابة وشدة الخطورة
  • يليها فطر إصابة الجلد (Cutaneous)
  • ثم فطر إصابة الرئة (Pulmonary)
  • وفطر الانتشار في الجسم كليا (Disseminated)
  • وأخيرا فطر إصابة الجهاز الهضمي (GIT)

كيف يتم تشخيص الفطر الأسود؟

تختلف أعراض الفطر الأسود تبعًا للمكان الذي يُصيبه، ويحتاج تشخيصه إلى نسبة شك عالية من الطبيب حتى لا يخطئ في التشخيص أو يتأخر حتى حدوث المضاعفات.

والتشخيص يعتمد على الأعراض والفحوصات المعملية والأشعة التصورية وسنتناول الآن ذلك بالتفصيل:

أعراض الفطر الأسود

في منطقة الجيوب الأنفية مع محجر العين والدماغ (Rhino – Orbito – Cerebral)

تعد هذه المنطقة أكثر الأماكن إصابة في مرضى السكري وأشهر الأعراض:

  • ألم في الوجه (Facial pain)
  • التهابات الجيوب الأنفية وقد تأتي مصحوبة بمخاط  أسود لزج (Sinusitis with or without viscid black discharge)
  • ألم في العين (Eye pain)
  • ضبابية الرؤية (Blurred vision)
  • وقد يصل إلى بروز (Proptosis) العين نتيجة الالتهابات الخلوية في محجر العين (Orbital cellulitis)
  • وقد ينتقل الفطر للجهاز العصبي المركزي داخل الدماغ مُسببا شللًا بالأعصاب المركزية (Central cranial nerves) وبالأخص الأعصاب المركزية المسؤولة عن تحريك عضلات العين مما يتسبب في شلل في حركة العين (Ophthalmoplegia) وينتج عن شلل حركة العين حَوَل ورؤية مزدوجة
  • جلطات داخل الشرايين والأوردة الرئيسية داخل الدماغ (Internal Carotid artery and Cavernous sinus thrombosis)، ويظهر على هيئة اضطراب في الوعي
  • وقد يصل في المرحلة الخيرة من المريض (End stage) إلى ظهور بقعة ميتة على جلد الوجه أو في سقف الحلق أو بداخل الأنف

في منطقة الجلد (Cutaneous)

يبدأ الأمر نتيجة جرح في الجلد، فتدخل ال (Spores) وتبدأ الانتشار وغزو أنسجة الجلد السليمة ويظهر على هيئة:

  • بروز على الجلد يبدأ بالانتشار داخليا مخترقا الجلد والعضلات وصولا إلى العظام

وهذا النوع يمكن أن يصيب أصحاب المناعة السليمة، وتصل احتمالية الوفاة به في أصحاب المناعة الضعيفة إلى 32% في جلد الجزع، و 15.5% في جلد الأطراف وإن انتشر في كامل الجسم تصل احتمالية الوفاة إلى 80%.

منطقة الرئة (Pulmonary)

وتأتي إصابة الرئة بالفطر الأسود أكثر ما يكون في مرضى سرطانات الدم وتبدأ الأعراض على هيئة:

  • التهابات رئوية عادية، وهي: الكحة الجافة والنهجان (صعوبة وسرعة التنفس) وارتفاع درجة الحرارة وألم في الصدر
  • وقد يتفاقم إلى كحة مصحوبة بالدم وقد يكون الدم غزيرا
  • الموت وتصل احتمالات الوفاة قبل انتشار الفطر في الجسم كليا إلى 50 – 70% وبعد الانتشار الكلي تصل إلى 95% أو أكثر

منطقة الجهاز الهضمي (GIT)

وهي نادرة الحدوث وتُصيب الرُضع الغير مكتملي النوم والمصابين بسوء تغذية شديد، ومن النادر تشخيصها قبل الوفاة، ويظهر على المصاب أعراض غير محددة مثل:

  • ألم في المعدة وانتفاخ
  • أو يصل إلي قيء دموي أو براز مختلط بالدم
  • وقد يظهر على هيئة تقرحات معدية (قرحة في المعدة)، أو خَرق في الأمعاء والذي يؤدي بدوره إلى التهاب في الغشاء البريتوني المعوي (Peritonitis)

الانتشار في كامل الجسد (Disseminated)

يُعرف الانتشار الكامل بوجود الفطر الأسود في منطقتين أو أكثر أو وجود الفطر الأسود في مزرعة دم إيجابية. والأعراض هي نفس أعراض أحد المناطق التي ذكرناها سابقا وقد أشرنا أيضا سابقا إلى معدلات الوفاة في الانتشار الكامل.

الفحوصات المعملية

يحتاج الطبيب إلى إجراء تحاليل روتينية للبحث عن عوامل الخطر مثل:

  • صورة دم كاملة فقد يظهرمن خلالها نقص في عدد خلايا الدم البيضاء وخصوصا خلايا تُسمى العدلات (Neutophils)، وقد يُشخص من خلالها سرطان الدم
  • قياس مستوى (الجلوكوز) السكر في الدم، وغازات الدم، ونسبة الكيتونات في الدم والبول؛ وهذا لتشخيص مرض السكري أو الغيبوبة الكتونية لدى مرضى السكر
  • مزرعة دم بكترية، لنفي الأسباب البكترية أو وجود سبب فطري وبكتري في آن واحد
  • بزل قطني لفحص السائل النخاعي (بعد عمل أشعة مقطعية)؛ قد يظهر فيه زيادة في نسة البروتين
  • اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، قادر على إظهار DNA الفطر، وهو اختبار واعد للتشخيص المبكر لمرض الفطر الأسود

الأشعة التشخيصية والمناظير والفحص المجهري

وتختلف نوع الأشعة على حسب المنطقة التي أصابها الفطر:

في حالة أصاب منطقة الجيوب الأنفية مع محجر العين والدماغ:

  • يتم عمل أشعة مقطعية على الجيوب الأنفية والمخ ويظهر بالأشعة التهاب في الجيوب الأنفية مع محجر العين، ومع ازدياد المرض يظهر تأكُل في العظام وانتشارالفطر في المخ.
  • تصويربأشعة الرنين المغناطيسية (MRI): وتأتي أهميتها في معرفة تفاقم المرض (الفطر الأسود) ومقدار انتشاره ومدى الحاجة إلى تَدخُل جراحي عاجل وليست أهمية تشخيصة

في حال أصاب منطقة الرئة:

أشعة مقطعية على الرئة: يظهر بها: التهاب رئوي مع ارتشاح رئوي وكذلك عتامة تُشبه الزجاج المضبب (Ground-glass appearance)، وأهم علامة تُميز الفطر الأسود في الأشعة المقطعية هي: عقدة بيضاء محاطة بعتامة بيضاء تُشبه الهالة (Reversed halo sign).

وقد يتطلب التشخيص منظار رئة مع أخذ خزعة للفحص المجهري.

في حال أصاب منطقة الجهاز الهضمي:

يحتاج تشخيص الفطر الأسود إلى منظار هضمي مع أخد خزعة لفحصها مجهريا.

في حال أصاب منطقة الجلد:

يتم أخذ خزعة للفحص المجهري وعمل مزرعة فطريات.

نبذة عن الفحص المجهري للخزعة:

تؤخذ الخزعة وتُصبغ إما بصبغة الهيماتوكسلين مع الإيوسين (Hematoxylin& Eosin) أو صبغة فطريات خاصة؛ يظهر فيه الفطرالأسود.

المضاعفات

  • العمى الكلي؛ إما بسبب جلطة في شريان العين، أو نتيجة لتَدَخُل جراحي كاقتلاع العين في محاولة للسيطرة على انتشار المرض
  • جلطة في المخ، إما بسبب منع الإمداد الدموي داخل  الشريان السباتي الغائر (Internal Carotid Artery)، أو تجلط في الجيب الكهفي (Cavernous Sinus Thrombosis)
  • تَكُون خراج دماغي (Cerebral Abscess)
  • نزيف داخل الجمجمة

طرق الوقاية من الإصابة بالفطر الأسود

يُمكن الوقاية منه عن طريق إزالة عوامل الخطر او تقليلها إلى أقصى حد مُمكن وذلك كالأتي:

  • عدم استعمال مثبطات المناعة وخصوصا الكورتيزون (CORTISONE) إلا في الحالات الموصى بها وبالجرعات المحددة والمدة المحددة
  • ضبط مستوى السكر بالدم لدى مرضى السكري لمنع ارتفاع الجلوكوز بالدم فضلا عن الإصابة بالغيبوبة الكيتونية
  • زيادة الوعي بالفطر الأسود في المجتمع
  • في حالة الاضطرار إلى استخدام مثبطات المناعة بسبب مرض آخر يتم استخدام دواء بوساكونازول (POSACONAZOLE) للوقاية من الفطر الأسود

الكرونا (COVID-19) والفطر الأسود (MUCORMYCOSIS)

بعد اجتياح الكورونا للعالم وخصوصا الهند وظهور السلالات الجديدة المتحورة من الكورنا ارتفع معدل الإصابة بالفطر الأسود بصورة ملحوظة وظهر سؤال مُلح وهو ما الرابط بين الكرونا (COVID-19) والفطر الأسود؟

ارتفع معدل الإصابة بالأمراض المتعلقة بنقص المناعة كالفطريات في العشرين عاما الأخيرة ولعل أحد الأسباب هو: تَحُسن فاعلية الأدوية المثبطة للمناعة، وسوء الاستخدام سواء تمثل هذا الاستعمال الخاطئ في استعمالها في غير ما خُصصت له أو في زيادة الجرعة المحددة أو زيادة المدة المحددة.

  • ولعل هذا أحد الأسباب في زيادة معدلات انتشار الفطر الأسود في ظل انتشار كوفيد 19 ، وهو استخدام بعض المواد المثبطة للمناعة مثل الكورتيزون (CORTISONE) أو بعض المضادات الحيوية واسعة النطاق مثل أزيثرومايسين (AZITHROMMYCIN) في كثير من الأحيان بصورة خاطئة، وكلاهما  مواد لديها قدرة على التأثير في المناعة وتستخدم في علاج الكرونا، وقد أشرنا كثيرا إلى أن نقص المناعة هي كلمة السر في الإصابة بالفطر الأسود خصوصا والفطريات عموما
  • وأيضا يُسبب الكوفيد 19 (COVID-19) تَلَف كبير للخلايا الرئوية مما يُساعد الفطريات في تكوين مستعمرات في مجرى الهواء والجيوب الأنفية والرئة
  • ويُؤثر الكوفيد 19 (COVID-19) أيضا على خلايا المناعة التائية وهي خلايا مسؤلة بالدرجة الأولى عن المناعة
  • ويتسبب الكوفيد في خلل في التمثيل الغذائي للحديد، مما يؤدي إلى ارتفاع الفيريتين (Ferritin) – وهو البروتين المسؤول عن تخزين الحديد – وزيادة ترسيب الحديد داخل الخلايا، مما يتسبب في تلف الأنسجة وقد أشرنا سابقا إلى أن زيادة الحديد من عوامل ارتفاع خطر الإصابة بالفطر الأسود.
  • وأيضا المرضى المصابين بالسكري معدل إصابتهم بالكرونا مرتفعة والكرونا بدورها تعمل على مقاومة  الأنسولين (Insulin) مما يؤدي إلي زيادة مستوى السكر في الدم وصعوبة التحكم فيه وقد أشرنا سابقا إلى أن مرضى السكر أكثر عرضة للإصابة بالفطر الأسود.

علاج الفطر الأسود

تنقسم طريقة علاج الفطر الأسود إلى شقين:

  • الأول: زيادة مناعة المريض عن طريق ازالة عوامل الخطر أو تقليلها؛ فعلى سبيل المثال التحكم وضبط مستوى السكر في الدم في مرض السكري حتى لا يتسبب في غيبوبة كيتونية، وفي حالة الأدوية المثبطة للمناعة كالكورتيزون (CORTISONE) يتم ضبط جرعتها بدقة.
  • الثاني: عن طريق مضادات الفطريات (Anti- Fungal)، وأولها دواء أمفوتريسين ب  (AMPHOTERICIN B)، وقد يضاف إليه أدوية أخرى مثل إيزافوكونازول (ISAVUCONAZOLE) وإيكينوكاندين (ECHINOCANDIN)، وفي حالة فشل أمفوتريسين ب (AMPHOTERICIN B) يتم استعمال بوساكونازول (POSACONAZOLE)

وفي الغالب يحتاج المريض إلى تَدخُل جراحي لإزالة الأنسجة الميتة، بل قد يصل التَدخُل الجراحي إلى إزالة الجيوب الأنفية ومحجر العين بالكلية، والسبب أن هذه الأنسجة الميتة تمنع وصول الأدوية المضاد للفطريات لمناطق الإصابة مما يتسبب في زيادة الانتشار.

التكهُن بمسار الفطر الأسود (Prognosis)

تختلف نسبة الوفاة تبعا لمناعة المريض ومكان الإصابة واستخدام العلاج من عدمه، ويصل معدل الوفاة مع استخدام العلاج إلى 30% ويرتفع المعدل ليصل إلى 97% مع عدم العلاج وفي حالة الانتشار يرتفع المعدل ليصل إلى 100%.


قد تود الاطلاع على…

كتب هذا المقال د. أحمد ماهر بعد الرجوع لعدة مصادر أهمها:

وتمت المراجعة بواسطة الفريق الطبي المُراجع لموقع بيمارستان أر إكس.